• كيف نحمي إذن هذه اللغة؟ وكيف نسد الفجوة الرقمية العريضة بيننا وبقية لغات شعوب الارض التي سبقتنا؟ لنتفق أولا على أننا لا يمكن أن نأمل في ولوج مجتمع المعرفة خارج اللغة، هذا المفهوم الذي يقوم على ثلاث ركائز هي: الابتكار، وتنشيطه واستغلاله لصالح الإنسان، وهل العلم والفلسفة والتقانة إلا لغة في أساسها، وهل هناك من سبيل آخر لصناعة المعرفة غير اللغة!؟، وأضيف هنا اللغة الأم، وليست أي لغة. الجواب سهل ومباشر، لنستثمر في رقمنة لغتنا، ولا نترك غيرنا يستثمر فيها ويستفيد من نتائج البحث فيها. هل يعرف العرب أن لغتهم، لغة الضاد، تنفق عليها أموال خيالية في مختلف دول المعمور، باستثناء أهلها، هل يعلم العرب أن لغتهم أكثر استجابة للرقمنة، بل هل يعلمون أن المحتوى الرقمي الذي يسكب في الشابكة يوميا ينفذ إليها من خارج جغرافيتهم؟ مهندسو لغة الضاد يضطرون للبحث عن تطبيقات حاسوبية على العربية خارج أوطاننا.
  • من جهتنا، في هذه المجلة العلمية، فإننا لا نذخر جهدا لتحقيق لمواكبة التطورات الرقمية المطبقة على لغة الضاد، إسهاما منا في سد الفجوة الرقمية بيننا والأمم المتقدمة، سواء من خلال الأبحاث التي ننشرها عن لغة الضاد وبقية اللغات الطبيعية في إطار البحث الهندسي اللساني الصرف، أم من خلال إتاحة الفرصة للباحثين لنشر أبحاثهم العلمية الرصينة على صفحاتها. فقد صدر لحد الآن نحو عشرة مجلدات متخصصة في هندسة اللغة، ننشر المجلة الأبحاث العلمية لباحثين وخبراء في هندسة اللغات الطبيعية من مختلف المشارب والمناطق الجغرافية في العالم. والقارئ غير المتخصص هذه قد يجد بعض الأبحاث مغرقة في التخصص، خاصة أن أغلبها مكتوب عن لغة الضاد بغير لغة الضاد، وهو ما نقصده عن ترصد وسبق إصرار، نقوم بذلك درءا لوضع الجواهر بين أيدي من لا يقدر قيمتها، ونعني بهم أحاديي اللغة المصنفين في خانة الأمية بالمعنى المعرفي لهذا المصطلح، ولذلك لم نقتصر على النشر بلغة واحدة، إيمانا منا أن لسانيات الجيل الرابع التي تعمل المجلة في ضوئها تركز على رقمنة الضاد لغير العرب أكثر من العرب أنفسهم، فهؤلاء هم الذين يقرأون ويناقشون، خلافا للكثيرين من أبناء الضاد الذين - في أحسن الأحوال - حجز أغلبهم مقعده في قاعة التفرج على مباريات التطور المعرفي الفوار في هذا العالم المتطور، بينما العالم المتقدم يشتغل على تطوير لغته التي مكنته من ولوج مجتمع المعرفة، كونها اللغة التي يبتكر بها معارفه وينشطها في جميع مجالات حياته، فارضا إياها واقعا لا يقبل النقاش على من دونه من الأقوام الذين تخلوا عن هويتهم لصالحه. في هذا السياق يدخل تخصيص هذا المجلد، بعدديه، لموضوع غاية في الأهمية، يكتسب قيمة تربوية ومعرفية راهنة، ويمكن توزيع أبحاثه على قسمين:
    1. المدونات اللغوية التي تعد الأساس العملي لكل معالجة رقمية للغات الطبيعية، نشرنا فيه بحوثا علمية مركزة، من إنتاج متخصصين في هذا المجال، حيث تناول الدكتور المعتز بالله السعيد، الذي وضع معجما حاسوبيا لتعليم العربية للناطقين بغيرها، وهي دراسة غاية في الأهمية من حيث تصنيف المادة اللغوية الموجهة لأهداف تربوية. والبحث الثاني يضع الإطار النظري للسانيات المدونات، من تأليف الباحث المتخصص في مجال المدونات اللسانية، يقدم فيه وجهة نظره العلمية في بناء المدونات وفق أحدث المعايير العالمية في هذا الباب. بحث الخبيرين د. أيريك أتويل ود. عبد الله الفيفي فيقدم لنا نظرة شاملة عن الرصيد المدوناتي الذي طورته جامعة ليدز في بريطانيا، وقد أطلعانا من خلاله على المجهود الذي الذي يقوم به الخبراء في بناء مدونات للغات الطبيعية ومن ضمنها العربية، ينتهي هذا القسم ببحث للدكتور محمد الحناش فيقدم دراسة عملية يبين فيها طريقة استثمار المدونات الرقمية في تعليم اللغات، مستندا في ذلك على منصة نوج المتخصصة في المعالجة الرقمية للمتون اللغوية.
    2. أما القسم الثاني من هذا المجلد فخصص لتطبيق المدونات على تعليم العربية للناطقين بغيرها، وهو المجال الذي تم يه استغلال نتائج البحث في المدونات، لأن المدونة تمثل المادة اللسانية التي تتضمن التراكيب اللغوية التي يحتاج إليها واضع المناهج التعليمية لمختلف المستويات التعليمية التعلمية، كما تستخدم في تقويم كفاءات متعلمي العربية من غير أبنائها، ويضم ثلاثة أبحاث علمية، أولها للباحثين د. منصر الحمد، ود. حافظ علوي، وقد بنيا أطروحتهما العلمية على التعليم عن طريق الأخطاء اللغوية، متتبعين إياها في كفاية متعلمي العربية من غير أبنائها، وثاني الأبحاث للباحثين د. بلقاسم اليوبي، ود. خالد اليوبي، من جامعة الملك عبد العرزيز بجدة، عن التفاعلية التي يقوم عليها تعليم العربية لغير أبنائها إلكترونيا، ينتهي هذا المجلد للباحثين د. الحجوري ود. اليوبي، بإبراز تطبيق مقتضيات الإطار المرجعي الأوروبي المشترك للغات على تعليم مهارات العربية لغير أبنائها، مع التركيز على المستوى الخامس.
    •      رئيس التحرير
    • أ.د/ إبراهيم البلوي